أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي
50
المفاخر العلية في المآثر الشاذلية
من أمراضها غاية الخلوص ، واستحقت أن يرسم في لوح قبولها حقائق النصوص ، فتنخرط في سلك أهل العناية والخصوص ، وهذه الطريق دون التي قبلها في الأهوال ، والواصلون بها فحول الرجال ، لكنهم بالنسبة إلى غيرهم من السالكين بالعبادات أكثر ، ومدة سيرهم أقصر ، ومن ظهر منهم بها فهو من كل مرشد أظهر وأشهر . القسم الثالث : ذو النفوس الرضية ، والعقول الزكية ، والفطرة الصديقية التي أبدان أصحابها في كمال النحافة ، ونهاية الاعتدال واللطافة ، وطريقهم طريق السائرين إلى اللّه والطائرين إليه ، وهي طريق أهل المحبة السالكين إلى اللّه بالجذبة ؛ وملاك السير بها صفاء القلب ، وصدق الحب ، والتحقق ظاهرا أو باطنا بشعائر التصديق ، فيخرج عن حوله وقوته ، وعقله وفطنته ، حتى لو طلب منه بذل المهج لم يجد من حرج ، فحينئذ ينفخ فيه من روح قلب العيان ، ويتحقق بقوله : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ( 26 ) [ الرّحمن : 26 ] وهذه الطريقة في غاية السهولة بالنسبة لأهلها المخطوبين لجمال وصلها فربما وصل السالك بها في نفس ، فسبق من عفا بالمجاهدة واندرس ، وهذه الثلاثة أقسام ، وما تنوع منها كلها مبلغة للمرام ، لكن بعضها أصعب وأطول ، وبعضها أقرب وأسهل ، فإذا كان الشيخ داريا بمعالجة الأمراض ، وخبيرا بصفات النفوس والأعراض ، سلك بكل حزب نهجه القويم ، ورد الخاسر لأحسن تقويم ، وذلك لأن النفوس الإنسانية مرآة للتجليات الربانية ، وبحسب كثافة المرآة وصدئها يشرع في تلطيفها وجلائها . وإياك والتهويل والتشديد ، فإن الحق أقرب من حبل الوريد . قلت : والظاهر من حال الشاذلية أنهم من القسم الثالث ، وعلى هذا يحمل قول سيدي شمس الدين الحنفي : خصت الشاذلية بثلاث ، فذكر منها أنهم مختارون من اللوح المحفوظ ، فيحتمل أن يكون المعنى واللّه أعلم أنه اختير لهذه الطريقة أن يدخلها من الناس من يكون موصوفا بصفات القسم الثالث . واعلم أن لتلاوة القرآن والأسماء الحسنى في الوصول شؤونا وأسرارا ، لكن لكل شخص قسم من الأذكار يناسب حالته الغالبة على نفسه يكون فتحه منه أقرب يعرف ذلك العارفون من المشايخ ، كما حكى عن بعضهم أنه كان يجلس المريد بين يديه ويتلو عليه الأسماء الحسنى ، فإذا رآه تأثر عند اسم منها أو أسماء أمره باستعمالها فيفتح عليه سريعا ، ويقال لهذا النوع السير إلى اللّه بالطبع ، وذكر كيفيتها البوني في شمسه ، وهي أن ينظر الشخص ميل نفسه إلى أي نوع من أنواع الذكر أو العبادات أو